محمد متولي الشعراوي
2744
تفسير الشعراوى
أي أن الإنسان يقى نفسه بأن يجعل الآمر يوجه الأمر للمأمور ، ويجعل المأمور يطيع الآمر ، ودليل ذلك قول الحق عن قابيل : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ( من الآية 30 سورة المائدة ) أي أن جزءا من الذات هو الذي طوّع بقية ذات قابيل لتقتل هابيل . فقد خلق اللّه النفس البشرية كملكات متعددة ، ملكة تحب الأريحية وأخرى تحب الشح ، والملكة التي تحب الأريحية إنما تطلب ثناء الناس ، والتي تحب الشح إنما تفعل ذلك ليطمئن صاحبها أنه يملك ما يغنيه . وكلتا الملكتين تتصارع في النفس الواحدة ؛ لذلك يقول الحق : « قُوا أَنْفُسَكُمْ » فالنفس تقى النفس ؛ لأن الملكات فيها متعددة . وبعض الملكات تحب تحقيق المتعة والشهوة ، لكن هناك ملكة إيمانية تقول : تذكر أن هذه الشهوات عاجلة ولكنها عظيمة المتاعب فيما بعد . إذن فهناك صراع داخل ملكات الإنسان ، ويوضح لنا الحق هذا الصراع في قوله : ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ) . لأن قابيل أراد أن يقتل هابيل بغريزة الاستعلاء ، ونازعته نفسه بالخوف من الإثم . لقد دارت المراودة في نفس قابيل إلى أن سيطرت غريزة الاستعلاء فأمرت بالقتل وطوعت بقية النفس . وهذا يكشف لنا أن النفس البشرية فيها ملكات متعددة ، كل ملكة لها مطلوب . والدين هو الذي يقيم التعايش السلمى بين الملكات . مثال آخر : الغريزة الجنسية تقيم السعار في النفس ، فيقوم الوعي الإيمانى بردع ذلك بأن تقول النفس الإيمانية : إياك أن تلغ في أعراض الناس حتى لا تلغ الناس في أعراضك ، ولماذا لا تذهب وتتزوج كما شرع اللّه ، ولا ترم أبناءك في فراش غيرك ؛ لأن الغريزة مخلوقة للّه فلا تجعل سلطان الغريزة يأمر وينهى . وهكذا نرى أن النفس تضم وتشمل الملكات والغرائز ، ولا يصح أن يعدى الإنسان غريزة إلى أمر آخر ؛ لأنه إن عدى الشهوات فسدت الدنيا .